الذهبي
833
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )
فمن أخباره أنّ بَرّ البربر الجنوبيّ كَانَ لزَنَاتَة ، فخرج عليهم من جنوبيّ المغرب من البلاد التي تتاخم أرض السودان الملثَّمون عليهم أبو بَكْر بْن عُمَر ، وكان رجلًا خيِّرًا ساذجًا ، فأخذت الملثَّمة البلادَ من زنَاتَة من تِلمْسان إلى البحر الأكبر ، فسمع أبو بَكْر أنّ امرأةً ذهبت ناقتها في غارةٍ فبكت وقالت : ضيَّعَنَا أبو بَكْر بدخوله إلى المغرب ، فتألم واستعمل عَلَى المغرب يوسف بْن تاشَفِين هذا ، ورجع أبو بَكْر إلى بلاد الجنوب . وكان ابن تاشَفِين بطلًا شجاعًا ، عادلًا ، اختطّ مراكش ، وكان مكمنا للصوص وكان ذلك المكان مأوى للحرامية ، فكان المارَون بِهِ يقول بعضُهم لبعض : مُرّاكش ، وكان بناء مدينة مُرّاكش في سنة خمسٍ وستين وأربعمائة ، اشتراها يوسف بماله الّذي خرج بِهِ من الصحراء ، وكان في موضعها غابة من الشَّجَر وقرية فيها جماعة من البربر ، فاختطهّا ، وبنى بها القصور والمساكن الأنيقة ، وهي في مرجٍ فسيحٍ ، وحولها جبال على فراسخ منها ، وبالقرب منها جبل عَلَيْهِ الثلج ، وهو الذي يعدل مزاجها ، وقيل : كانت ملكا لعجوزٍ مَصْمُوديّة ، فأسكن مُرّاكش الخَلْق ، وكثرت جيوشه وبعد صِيتُه ، وخافتْه ملوك الأندلس ، وكذلك خافته ملوك الفرنج لأنّها علمت أَنَّهُ ينجد الأندلسيّين عليهم . وكان قد ظهر للملثَّمين في الحروب ضَرَبات بالسّيوف تقدّ الفارس ، وطعنات تنظم الكُلَى ، فكتب إِلَيْهِ المعتمد يتلطّف بِهِ ، ويسأله أنّ يعرض عَنْ بلاده لمّا رأى هِمَّتَه عَلَى قصْد الأندلس ، وأنّه تحت طاعته ، فيقال : كَانَ في الكتاب : فإنك إنّ أعرضت عنّا نُسِبْتَ إلى كَرَمٍ ، ولم تُنْسَب إلى عَجْز ، وإنْ أَجَبْنا داعيك نُسِبنا إلى عقلٍ ، ولم نُنْسَب إلى وهْن ، وقد اخترنا لأَنْفُسِنا أجمل نسبتَيْنا ، وإنّ في استبقائك ذوي البيوت دوامًا لأمرك وثبوت ، وأرسل إليه تُحَفًا وهدايا ، وكان بربريًّا لا يكاد يفهم ، ففسَّرَ لَهُ كاتبه تِلْكَ الكلمات ، وأحسن في المشورة عَلَيْهِ ، فأجاب إلى السلم ، وكتب كاتبه عَلَى لسانه : من يوسف بْن تاشَفِين ، سلامٌ عليكم ورحمة اللَّه وبركاته تحيّة من سالمكم ، وسلّم إليكم ، حكَّمَهُ التّأييد والنَّصْر فيما حكم عليكم ، وإنّكم في أوسع إباحة ممّا بأيديكم من الملك ، وإنكم مخصوصون منّا بأكرم إيثار ، فاسْتَدِيموا وفاءنا بوفائكم ،